فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فكنت كالساعي إلى مثعب ** موائلًا من سبل الراعد

وجواب {لو} في {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} مقدّر، أي: لو كانوا يفقهون أنها كذلك لما فعلوا ما فعلوا.
قوله: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا} هذان الأمران معناهما الخبر، والمعنى: فسيضحكون قليلًا، ويبكون كثيرًا، وإنما جيء بهما على لفظ الأمر، للدلالة على أن ذلك أمر محتوم لا يكون غيره، وقليلًا كثيرًا منصوبان على المصدرية أو الظرفية: أي ضحكًا قليلًا، وبكاءً كثيرًا، أو زمانًا قليلًا، وزمانًا كثيرًا {وَجَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي: جزاء بسبب ما كانوا يكسبونه من المعاصي، وانتصاب {جزاء} على المصدرية: أي يجزون جزاء {فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ} الرجع متعدّ كالردّ، والرجوع: لازم، والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها، وإنما قال: {إلى طَائِفَةٍ} لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين بل كان فيهم غيرهم من المؤمنين لهم أعذار صحيحة، وفيهم من المؤمنين من لا عذر له، ثم عفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتاب الله عليهم كالثلاثة الذين خلفوا، وسيأتي بيان ذلك، وقيل: إنما قال: {إلى طائفة}، لأن منهم من تاب عن النفاق، وندم على التخلف {فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ} معك في غزوة أخرى بعد غزوتك هذه {فَقُلْ} لهم: {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا} أي: قل لهم ذلك عقوبة لهم، ولما في استصحابهم من المفاسد، كما تقدم في قوله: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا} [التوبة: 47]، وقرئ بفتح الياء من معي في الموضعين، وقرئ بسكونها فيهما، وجملة: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ} للتعليل، أي لن تخرجوا معي، ولن تقاتلوا، لأنكم رضيتم بالقعود والتخلف أوّل مرّة، وهي غزوة تبوك، والفاء في {فاقعدوا مَعَ الخالفين} لتفريع ما بعدها على ما قبلها، والخالفين جمع خالف، كأنهم خلفوا الخارجين، والمراد بهم: من تخلف عن الخروج، وقيل: المعنى: فاقعدوا مع الفاسدين.
من قولهم: فلان خالف أهل بيته إذا كان فاسدًا فيهم، من قولك: خلف اللبن: أي فسد بطول المكث في السقاء.
ذكر معناه الأصمعي، وقرئ: {فاقعدوا مع الخلفين} وقال الفراء: معناه: المخالفين.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عروة أن عبد الله بن أبيّ قال: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله، وهو القائل: {لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} [المنافقون: 8] فأنزل الله: {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأزيدنّ على السبعين» فأنزل الله: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} [المنافقون: 6].
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد نحوه.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، نحوه.
وأخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، والنحاس، وابن حبان، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام عليه، فلما وقف قلت: أعلى عدوّ الله عبد الله بن أبيّ القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا؟ أعدد أيامه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم حتى إذا أكثرت قال: «يا عمر أخر عني، إني قد خيرت، قد قيل لي: {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له، لزدت عليها» ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى معه حتى قام على قبره، حتى فرغ منه، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم.
فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان {وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ} فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعد حتى قبضه الله عزّ وجلّ.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {فَرِحَ المخلفون} الآية قال: عن غزوة تبوك.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: يا رسول الله الحر شديد، ولا نستطيع الخروج، فلا تنفروا في الحرّ، فقال الله: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} فأمره بالخروج.
وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا} قال: هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا دينهم هزوًا ولعبًا، يقول الله: فليضحكوا قليلًا في اللدنيا، وليبكوا كثيرًا في الآخرة.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ} قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا من المنافقين، وفيهم قيل ما قيل.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {فاقعدوا مَعَ الخالفين} قال: هم الرجال الذين تخلفوا عن الغزو. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا}
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم} قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا من المنافقين، وفيهم قيل ما قيل.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية يقول: أرأيت إن نفرت فاستأذنوك أن ينفروا معك؟ فقل: لن تخرجوا معي أبدًا.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فاقعدوا مع الخالفين} قال: هم الرجال الذين تخلفوا عن النفور. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا}
قوله تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ}: رجع يتعدى، كهذه الآية الكريمة، ومصدرُه الرَّجْع، كقوله: {والسماء ذَاتِ الرجع} [الطارق: 11]، ولا يتعدى نحو: {وَإِلَيْنَا تُرْجِعُونَ} [الأنبياء: 35]، في قراءة مَنْ بناه للفاعل، والمصدر الرجوع كالدخول.
قوله: {أَوَّلَ مَرَّةٍ}، قد تقدَّم ذلك. وقال أبو البقاء: هي ظرفٌ، قال الشيخ: ويعني ظرفَ زمان وهو بعيد.
لأن الظاهرَ أنها منصوبةٌ على المصدر، وفي التفسير: أولَ خَرْجَةٍ خَرَجَها رسول الله، فالمعنى: أولَ مرة من الخروج.
قال الزمخشري: فإن قلت {مرة} نكرة وُضِعَتْ موضع المرات من التفضيل، فلِمَ ذُكِرَ اسمُ التفضيلِ المضافُ إليها وهو دالٌّ على واحدةٍ من المرات؟ قلت: أكثر اللغتين: هند أكبرُ النساء وهي أكبرُهن، ثم إنَّ قولَك: هي كبرى امرأة، لا تكاد تعثر عليه، ولكن هي أكبر امرأة وأول مرة وآخر مرة.
قوله: {مَعَ الخالفين} هذا الظرفُ يجوز أن يكونَ متعلقًا بـ {اقعدوا}، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ لأنه حال من فاعل {اقعدوا}.
والخالِفُ: المتخلِّفُ بعد القوم. وقيل: الخالف: الفاسد مَنْ خَلَفَ، أي: فَسَد، ومنه «خُلوف فم الصائم»، والمراد بهم النساءُ والصبيانُ والرجالُ العاجزون، فلذلك جاز جمعُه للتغليب. وقال قتادة: الخالِفُون: النساء، وهو مردودٌ لأجل الجمع.
وقرأ عكرمة ومالكُ بن دينار {مع الخَلِفين} مقصورًا مِنَ الخالِفين كقوله:
مثل النَّقَا لَبَّده بَرْدُ الظِّلَلْ

وقوله:
................... عَرِدا **..................... بَرِدا

يريد: الظلال وعارِدًا باردًا. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
قوله جلّ ذكره: {فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ}.
يقول: بعدما ظهرت خيانَتُهم، وتقرر كذبهم ونفاقهم، لا تَنْخَدِعْ بتملقهم، ولا تَثِقْ بقولهم، ولا تُمَكِّنْهم مِنْ صُحبتك فيما يُظْهِرونه مِنْ وفاقك. فإذا وَهَنَ سِلْكُ العهدِ فلا يَحْتَملُ بَعْدَهُ الشَّدَّ، وإذا اتسع الخَرْقُ لا ينفع بَعءدَهُ الرَّقْعُ. اهـ.

.تفسير الآية رقم (84):

قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما أتم سبحانه الكلام في الاستغفار وتعليله إلى أن ختم بإهانة المتخلفين، وكان القتل المسبب عن الجهاد سببًا لترك الصلاة على الشهيد تشريفًا له، جعل الموت الواقع في القعود المرضي به عن الجهاد سببًا لترك الصلاة إهانة لذلك القاعد، فقال عاطفًا على ما أفهمت جملة: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} الآية، من نحو: فلا تستغفر لهم أصلًا: {ولا تصلِّ} أي الصلاة التي شرعت لتشريف المصلى عليه والشفاعه فيه {على أحد منهم} ثم وصف الأحد بقوله: {مات} وقوله: {أبدًا} متعلق بالنهي لا بالموت {ولا تقم على قبره} أي لأن قيامك رحمة وهم غير أهل لها، ثم علل ذلك بقوله: {إنهم كفروا بالله} أي الذي له العظمة كلها ولما كان الموت على الكفر مانعًا من الصلاة على الميت بجميع معانيها لم يحتج إلى التأكيد باعادة الجار فقيل-: {ورسوله} أي الذي هو أعظم الناس نعمة عليهم بما له من نصائحهم بالرسالة، والمعنى أنهم لعظم ما ارتكبوا من ذلك لم يهدهم الله فاستمروا على الضلالة حتى ماتوا على صفة من وقع النهي على الاستغفار لهم المشار إليها بقوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} وذلك المراد من قوله معبرًا بالماضي والمعنى على المضارع تحقيقًا للخبر وأنه واقع لا محالة: {وماتوا وهم} أي والحال أنهم بضمائرهم وظواهرهم {فاسقون} أي غريقون في الفسق. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)}
اعلم أنه تعالى أمر رسوله بأن يسعى في تخذيلهم وإهانتهم وإذلالهم، فالذي سبق ذكره في الآية الأولى وهو منعهم من الخروج معه إلى الغزوات سبب قوي من أسباب إذلالهم وإهانتهم، وهذا الذي ذكره في هذه الآية، وهو منع الرسول من أن يصلي على من مات منهم، سبب آخر قوي في إذلالهم وتخذيلهم.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما اشتكى عبد الله بن أبي بن سلول عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره، ثم إنه أرسل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منه قميصه ليكفن فيه، فأرسل إليه القميص الفوقاني فرده وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه، فقال عمر رضي الله عنه: لم تعطي قميصك الرجس النجس؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئًا فلعل الله أن يدخل به ألفًا في الإسلام» وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله، فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه، أسلم منهم يومئذ ألف.
فلما مات جاء ابنه يعرفه فقال عليه الصلاة والسلام لابنه: «صل عليه وادفنه» فقال: إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم، فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه، فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه، فنزلت هذه الآية.
وأخذ جبريل عليه السلام بثوبه وقال: {وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا} واعلم أن هذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي الله عنه، وذلك لأن الوحي نزل على وفق قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفداء عن أسارى بدر وقد سبق شرحه.
وثانيها: آية تحريم الخمر.
وثالثها: آية تحويل القبلة.
ورابعها: آية أمر النسوان بالحجاب.
وخامسها: هذه الآية.
فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر رضي الله عنه منصبًا عاليًا ودرجة رفيعة له في الدين.